الشيخ محمد الصادقي الطهراني

567

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

كبيرا بساير معانيه ، محتدا وعلما وايمانا وعائلة وعشيرة ، فهو يستحق العطف من جهات شتى ، ومن ثم الزاوية الثالثة « إِنَّا نَراكَ مِنَ الُمحْسِنِينَ » وهنا أظرف ظروف الإحسان ، ويعني الإحسان فيما يعني إحسانا يناسب تحرير رق ، ولأقل تقدير « فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ » ! وقد كان - / كما يروى - / انه حرّر نفرا عظيما ممن شراهم الطعام بأنفسهم حين نفدت بضائعهم . وما أجمل جواب الصديق وأحوطه إذ لم يقل « معاذ الله ان نأخذ بريئا بجريرة سارق » ، وإنما « أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ » ثم يعتذر عن كل هذه الزوايا المتعطفة ب « إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ » وهل يظلم المحسن ؟ أم إن غاية الإحسان تبرر وسيلة الظلم ؟ ! . فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ( 80 ) . الاستياس هو من اليأس والإياس ، ولأنه استفعال فقد يزيد على « ايئسوا » وعلّه تطلّب الإياس ، وما أدقه تعبيرا وألطفه على حالتهم الراجية ، المتعمقة في قلوبهم ، المستكنة في أفئدتهم ، لحدّ ما كان يخلد بخلدهم يأس عن إحسان الصديق ، ولكنه قطع كل آمالهم بكلمة تهديد : « إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ » حيث تهدّدهم فتحدد موقفه منهم مما آيسهم ، وكأنهم حينذاك تطلّبوا الإياس من أنفسهم رغم ما كانوا يظنون ، كما وخوفهم ، ولذلك « خَلَصُوا نَجِيًّا » . و « نجيا » تستعمل جمعا كما هنا ، ومفردا : « وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا » ( 19 : 52 ) وهي واوية تعني النجوى ، ويائية تعني النجاة ، وقد تعنيهما هنا « نجيا » لمكان « خلصوا » فالثانية النجاة ، وحيث « قالَ كَبِيرُهُمْ . . » فالأولى النجوى ، ولو عنت نجيّ